ابن خلدون

174

تاريخ ابن خلدون

وأوعز إلى عروس بن هندي رئيس بسكرة لعهده وولى دولته أن يمكر به فوصل المنتصر إلى بسكرة وخرج إليه عروس بن هندي وأحمد نزله وأشار على حشمه عند انكباب المنتصر وذويه على الطعام فبادروا مكبين لطعنه وفر اتباعه وأخذوا رأسه وبعث به إلى الناصر فنصبه ببجاية وصلب شلوه بالقلعة وجعلوه عظة لغيره وقتل كثير من رؤساء زناتة فمن مغراوة أبى الفتوح بن حنوش أمير بنى يستجلس وكانت له بلد المهدية والمرية قبيل من بطون صنهاجة سميت البلد بهم وقتل معنصر بن حماد منهم أيضا وكان بناحية شلف فأجلب على عامل مليانه وقتل شيوخ بنى وريسفان من مغراوة فكاتبهم السلطان لما كان مشتغلا عنهم بشأن العرب فزحفوا إلى معنصر وقتلوه وبعثوا برأسه إلى الناصر فنصبه مع رأس المنتصر وبعث إليه أهل الزاب أن عمر ومغراوة ظاهروا الأثبج من العرب على بلادهم فبعث ابنه المنصور في العساكر ونرل وعلان بلد المنتصر بن خريرون وهدمها وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد واركلا وولى عليها وقفل بالغنائم والسبي وبلغه عن بنى توجين من زناتة انهم ظاهروا بنى عدى من العرب على الفساد وقطع السبيل وأميرهم إذ ذاك مناد بن عبد الله فبعث ابنه المنصور إليهم بالعسكر وتقبض على أمير بنى توجين وأخيه زيرى وعمهما الأغلب وحمامة وأحضرهم فوبخهم وقدر عليهم فغلبه في اجارتهم من أولاد القاسم رؤساء بنى عبد الواد وقتلهم جميعا على الخلاف وفى سنة ستين افتتح جبل بجاية وكان له قبيل من البربر يسمون بهذا الاسم إلا أن الكاف فيهم بلغتهم ليست كافا بل هي بين الجيم والكاف وعلى هذا القبيل من صنهاجة يأتون لهذا العهد أوزاعا في البربر فلما افتتح هذا الجبل اختط به المدينة وسماها الناصرية وتسمى عند الناس باسم وهي بجاية وبنى بها قصر اللؤلؤة وكان من أعجب قصور الدنيا ونقل إليها الناس وأسقط الخراج عن ساكنيها وانتقل إليها سنة احدى وستين وفى أيام الناصر هذا كان استفحال ملكهم وشفوفه على ملك بنى باديس إخوانهم بالمهدية ولما أصرع منه الدهر بفتنة العرب الهلاليين حتى اضطرب عليهم أمرهم وكثر الثوار عليهم والمنازعون من أهل دولتهم فاعتز آل حماد هؤلاء أيام الناصر هذا وعظم شأن أيامهم فبنى المباني العجيبة المؤنقة وشيد المدائن العظيمة وردد الغزو إلى المغرب وتوغل فيهم ثم هلك سنة احدى وثمانين وقام بالأمر من بعده ابنه المنصور بن الناصر ونزل بجاية سنة ثلاث وثمانين وأوطنها بعساكر وخاصة بعراعر منازل الغرب وما كانوا يسومونهم بالقلعة من حصة الخسف وسوء العذاب بوطئ ساحتها والعيث في نواحيها وتخطف الناس من حولها لسهولة طرقها على رواحلهم وصعوبة المسالك عليها في الطريق إلى بجاية لمكان الأوعار فاتخذ بجاية هذه معقلا وصيرها دارا لملكه وجدد قصورها وشيد